فـــقـــه التسخير
بقلم الداعية فتحي يكن
والدعوة والداعية يجب أن يكونا ملمين بفقه التسخير، ويعمدا إلى توظيف الأوقات والطاقات توظيفاً سليماً وشاملاً وكاملاً في خدمة الإسلام وأهدافه القريبة والبعيدة. فالله سبحانه وتعالى سخّر للإنسان كل شيء، وهو مطلوب منه بالتالي، أن يسخّر كل شيء في سبيل الله، بحيث يتحقق من ذلك كمال الشكر، تمام الأجر، مناط التوفيق والنصر..
وهنالك أمور، لا حصر لها ولا عد، مما يمكن أن يسخر في الأرض بالإسلام، وحكمها بتشريعه، وصيانتها بمبادئه، وتحصينها بأخلاقه، وحل مشكلاتها بنظمه ومناهجه.
المسخرات الخلقية
· من هذه الأمور ما هو خَلقي، ويقع في دائرته كل ما خلق الله في الإنسان، وما سخر الله في الكون للإنسان }وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) { (الذاريات).
· ومن آيات التسخير }وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (32) {(إبراهيم).
· }وَسَخَّـر لَكُـمُ الشَّمْـسَ وَالْقَمَـرَ دَآئِبَيـنَ وَسَخَّـرَ لَكُـمُ اللَّيْـلَ وَالنَّهَـارَ (33) {(إبراهيم).
· }وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) {(النحل).
· }أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {(65)(الحج).
· }أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20) {(لقمان).
المسخرات الإكتسابية
وهنالك مساحة بلا حدود، من المسخرات الاكتسابية، التي يمكن أن يبتكرها الإنسان ويصنعها ويطورها، ويسخرها في الغرض الذي جاء به الإسلام، وهو الإستخلاف في الأرض، وإقامة الحياة الإسلامية بكل أصولها وفروعها وتفصيلاتها.
وفي هذه العجالة، أود أن أتوقف عند بعض هذه المعطيات، التي لو أمكن استخدامها، وتسخيرها، وتوظيفها، في خدمة المشروع الإسلامي، لأعطت نتائج، وحققت مكاسب تفوق التصور والخيال؟
والمشكلة أن معظم هذه المعطيات معطل أو شبه معطل، في حياة الدعوة، كما في حياة الداعية. مما ينعكس تعطيلاً لكثير من الأعمال، وأضعافاً لكثير من الخطوات، وإجهاضاً لكثير من المشاريع!
إن عدم أخذ الدعوة بالأسباب المتوافرة، وعدم تسخير هذه الأسباب وتوظيفها بشكل سليم وكامل، من شأنه أن ينعكس سلباً على الإنتاج كماً ونوعاً.
فهنالك طاقات ومؤهلات معطلة بلا حدود، وهنالك أوقات مهدورة بلا حساب، وهنالك العديد من الفرص والسوانح تمر بلا فائدة، وهنالك علوم ومبتكرات وتقنيات لا مكان لها في دائرة التنظيم والتخطيط والإدارة والبرمجة والإعلام إلى ما نهاية له..
[1] في تسخير الفرص والمناسبات: أن الحركة الإسلامية بحاجة لوضع فقه خاص بتسخير الفرص والمناسبات بما يحقق الإستفادة من الفرص الكائنة والفرص الممكنة، وهذا من جانب يرفع من نسبة الفوائد الناتجة عن توظيف الفرص المتاحة والتقليدية، يضاف إليها نسبة توظيف الفرص التي يمكن أن تهيئها الحركة من خلال الدراسة والتمحيص والتخطيط المسبق.
وأعداء الإسلام لا يفتأون يطورون أسباب ووسائل الاستفادة من المناسبات التقليدية، ثم هم يصطنعون مناسبات وفرصاً ويسخرونها في خدمة مشروعهم!!
وهذا الجانب في فقه التسخير ليس جديداً على من فَقِهَ دين الله تعالى، وسبر أغوار التاريخ البشري عبر مسار إرسالات والرسل جميعاً؟
فإبراهيم عليه السلام بعد أن حطم آلهة قومه، وأبقى على كبيرهم. كان من فقه تسخير السانحة، أن قال لهم عندما سألوه: }قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) { (الأنبياء).
* والغلام المؤمن، الذي تحير الملك في كيفية قتله، والتخلص منه، بعد أن خشي على مُلكه منه. إغتنم المناسبة وسخرها بقوة في تحقيق الهدف الذي يسعى إليه، وهو دفع الناس إلى الإيمان بالله. فقال للملك إذا أردت أن تقتلني، فما عليك إلا أن تجمع الناس، وتربطني إلى جزع شجرة، ثم تأخذ سهماً من جعبتي، وتصوبه إلى رأسي وتقول: باسم رب هذا الغلام. ولقد فعل الملك هذا، ودون أن يفطن للوسيلة التي أدت إلى إيمان الشعب كله برب الغلام. وفي هذا بلوغ القمة، في تسخير المناسبة وسبق لم يسبق له مثيل؟
* وعندما يحض رسول الله المسلمين على حفز ملكه النظر في فقه التسخير ويقول: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك" فإنه يصيب كبد هذا الفقه، ويتناول مساحة التسخير كلها ومن مختلف جوانبها.
* وعندما يحض الرسول على إتقان العمل – أي عمل – ويقول: "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل العمل أن يتقنه" فإنما يدعو إلى استنفاد كل جهد مستطاع في عملية الاتقان لتحقق النسبة القصوى من الفائدة.
والعمل قد يكون: محاضرة أو ندوة، وخطبة أو مهرجاناً، ورحلة أو سياحة، وأسرة أو حلقة، أو مؤتمراً. وقد يكون العمل في دائرة التنظيم أو التخطيط، وقد يكون في إطار العمل الاجتماعي أو الاقتصادي أو التجاري أو السياسي وقد يكون في إطار التأهيل التربوي أو الدعوي أو الحركي، وقد يكون من خلال المسح والإحصاء والتثمير، وقد يكون في أي مجال من مجالات العمل والحياة.
ومشكلة الحركة، أنها قد تحيي مناسبات كثيرة، وتقوم بأعمال كثيرة، لكن من غير إتقان وبدون فقه لكيفية التوظيف والتسخير، فتكون النتيجة أحياناً خجولة أو مخيبة للآمال؟
* فعلى سبيل المثال: يبدأ فقه التوظيف محاضرة من المحاضرات: من خلال حسن اختيار المحاضر، وحسن اختيار الوقت، وحسن اختيار الموضوع، وحسن اختيار المكان. إلى حسن إعداد البطاقات وتوزيعها إلى حسن اختيار العريف وحسن الاستقبال والوداع. إن كل مفردة من هذه المفردات، وفي المسألة الواحدة تحتاج إلى حسن تسخير وتوظيف، وبقدر نسبة الخلل الذي يمكن أن يحدث فيها، سينعكس من خلاله على الإنجاز كله.
* وعلى هذا الأساس، يمكن أن نقيس خطواتنا ونمحّص ممارساتنا، ونقوم أعمالنا. وإن كان الكمال المطلق لله، إنما هنالك (كمال بشري) يقع في صميم قوله تعالى: }فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) { (آل عمران) }وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ{ (الأنفال : 60).
وغير ذلك لا يعني إلا التواكل والتكاسل، وإنخفاض مستوى الشعور بالمسؤولية، والإحباط التدريجي، الذي يتسببه العمل المتعثر والفاشل، بينما العمل الناجح يدفع بصاحبه إلى آخر، أكثر نجاحاً.
* ومن فقه تسخير الرسول للفرص والمناسبات توظيفه لأسواق العرب: مجنة، وذي المجاز، ومنى، لعرض دعوته على الناس، بدون كَلَفة، وعلى أوسع نطاق. ومن خلالها فتح الله للمسلمين أبواب المدينة على مصراعيها..
* ومن فقه تسخير الفرص: حادثة (أبي جندل) الذي وصل إلى الحُديبية ليلحق بالمسلمين بعد كتابة الشروط التي تعهد فيها رسول الله e "برد من جاءه مسلماً" ولقد داخل المسلمين من ذلك أمر عظيم، وقالوا: سبحان الله: كيف نرد إليهم من جاءنا مسلماً، ولا يردون من جاءهم مرتداً؟.
* فلما جاء أبو جندل، قال له رسول الله e: "اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. وإنا قد عقدنا مع القوم صلحاً. وأعطيناهم على ذلك عهداً، فلا نغدر بهم؟ ولقد قدر الله لأبي جندل أن يقيم (قاعدة عسكرية) على طريق الشام، حيث اجتمع معه عدد كبير ممن كانوا مسلمين بمكة. فكانوا يغيرون على قوافل قريش وإمداداتها، حتى استغاثت قريش برسول الله e في إبطال هذا الشرط. وبذلك تحقق للمسلمين خير كثير، حتى قال أبو بكر t: (ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية، ولكن الناس قَصُر رأيهم عما كان بين محمد وربه. والعباد يعجلون، والله لا يعجل، لعجلة العباد حتى يبلغ الأمور ما أراد) نور الطيبين.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ